وُلد "أدهم" مرّاتٍ متعدّدة، يصعب حصرها. وفي كلّ ولادةٍ له يحمل شخصيةً مختلفة وحياةً أخرى، لدرجة يمكن وصفه معها بأنه صيَغٌ متعدّدة لكائنٍ بشريٍّ واحد، أو باستعارة ما يقوله هو عن نفسه: "أنا كلّ الصياغات. النهايات المفتوحة والبدايات المغلقة. أنا منتهى الصيغ، أنا الجميع، النساء والرجال، جزءٌ مذكّر في شخصية مؤنّثة، وجزءٌ مؤنّث في شخصية مذكّرة. أنا هو مشتهي الخلود. أنا الخلود".
في هذه الرواية، تبلغ "مها حسن" أوج التجريب في الكتابة، ضاربةً عرض الحائط بالقواعد، مسلِّمة نفسها للذّة الحكي، لفلسفة بطلها وتفلسُفه، محاولةً أن تكتب سيرته في ولاداته اللانهائية.
تطاول الزمن على الحرب الباردة حتى بدت وكأنّها تدوم إلى الأبد، ثم لمّا أيقن أهل الأرض أنهم قادرون عليها، برزت الأسلحة لتعلن عن ميلاد عهد جديد. تناسلت الليالي المظلمة، وأنجب الظلم ذرّية سوداء ذات رداء طويل أسبلته ليمتد حتى غشي أطراف العالم. ومع ذوبان بنات الدهر في بعضها، بدأت نسمات النور تضيء هوامش أهملتها يد القتل لتشرع الحياة في العودة رويدا رويدا. لكن، يبدو أن الحرب الثالثة لم تكن كافية لحفنة من الناجين كي يعوا الدرس جيدا. فأعيد شريط الهرج، ولم تعد الأرض، التي صارت فراغا إلا من العشرات، كافية لإشباع طموح الرجال. بدأت المخطّطات على صفحة بيضاء سرعان ما مال لونها إلى السواد. هذه قصة تروى في زمن الماضي الذي تستقبله البشرية عما قريب. ناجون قلة من الحرب النووية، يكتب لهم مديد من الحياة، ويبسط لهم في العمر لتعمير الأرض، لكن البشر هم البشر، إذ سرعان ما عاد الصراع على الكراسي تماما كما كان قبل أن تلتقي الدول في حرب كادت تجعل الانسان خبرا. تخرج نور مع زوجها راشد من مخبأهما ليجدو أن مدينتهما المزدهرة صارت مقفرة ولا أثر لغير الموت على الأرصفة، يبحث الزوج عن ناجين ليتحطم الأمل على جدار من الجثث الملقاة على قارعات الطريق في غير ترتيب. تتوالى دوريات الزوج ليدركا أن عالما جديدا لا يعرف إلى الانسانية طريقا آخذا في التّشكّل. أيقنا بعد قليل أيام أن لا مناص لهما من الفرار من حياة هي أقرب إلى عالم الغاب لتبدأ الرحلة في طلب ريح الانسانية خارج حدود المدينة..
المراكبي :
من يتفكر في أقوال الناس وأفعالهم, يصل إلى نتيجة شبه يقينية مفادها أنهم يقولون شيئاً, ويفعلون نقيضه تماماً.. فتجدهم يشيدون بفلسفة المفكر الفلاني, وعمق أطروحاته, لكنهم لا يتابعون برامجه, ولا يقرأون إصداراته.. وفي المقابل ينتقدون أسلوب حياة الفنانة الفلانية, وسطحية أفكارها.. لكنهم في الوقت نفسه يتابعون كل أعمالها, ولا تفوتهم منها حلقة.
أنا شخصياً لا أندهش من هذا التناقض, وذلك لسبب جوهري.. هو أنه جزء أصيل من طبيعة البشر في كل الأماكن والأزمنة.. والكلام الذي أكتبه الآن, سبقني إليه عالم الاجتماع الكبير عبدالرحمن بن خلدون قبل ستة قرون, وربما علماء كثيرين قبله وبعده.. لذلك يجب أن نسلم أن طبائع البشر الأصيلة لا تتغير بشكل جذري, وإنما تتطور وتتحسن إذا وجدت ما يُساعدها على التطور والتحسين.
ويحدث كثيراً أن تبقى طبائع البشر كما هي, تراوح مكانها, إن لم تجد التغذية الفكرية والأخلاقية التي ترتقي بها إلى الأعلى.. ويحدث أيضاً أن تنتكس وتتوحش وتعود سنوات طويلة إلى الوراء إذا جاءت التغذية سلبية, وأسوأ حالاً من سابقاتها.
تأملوا في حال المجتمعات من حولنا.. بعضها حاضرها أفضل من ماضيها, وبعضها الآخر ماضيها أفضل من حاضرها.. والسبب كله يعود إلى طبيعة التغذية الفكرية والأخلاقية التي تعرض لها أفرادها.
بدأت في كتابة هذه الرواية، وبدأت الرواية تكتبني في سطور. قد أكون أنا غير الذي جاء في هذه الرواية، وقد تكون الرواية جاءت من خارج حدود الزمن المعاصر، ولكنها في الحقيقة جاءت، ورسمت أشخاصاً وأحداثاً، وتوالت أحداثها على غير ما كنت أريد الكتابة عنه. فربما تكون هذه الأحداث قد طرأت في فترة زمنية ما، وفي قرية معينة، وربما لم أكن قد شاهدت مثل هذه الأعاصير، لكنها حقيقة، قد تحدث في زمن زمكان معينين، وبالأحرى تكون حادثة معاصرة لكنها بصورة أخرى، ترتدي ثوباً يتلائم مع هيكل العصر الذي نحن فيه، فنحن في زمان تتعدد فيه الأسباب وأساليب التقنية، وتختلف فيه من يوم لآخر نماذج الدراسات الإنسانية بهدف تحقيق غايات الإنسان، وإصابة أهدافه المتعددة والمختلفة. كل هذا يحدث، ويحدث في كل زمان ومكان، طالما بقي الإنسان، وتنامت نزواته وطموحاته اللامحدودة، ويحدث أيضاً في لحظات الخروج عن الذات الواعية والانغماس في وحل الحيوانية الجاهمة.
فيكون الليل، ويكون الزلزال، ويكون الإعصار، ويكون الموت، رغم الإنارة الكاشفة، وأشعة الضوء الساطعة، ومكبرات الصوت والضوء العصرية..
"الإنسان الحيوان" يخرج شاهراً سيف الدمر، ممتطياً فرس النار في ساعة خروج الذات الواعية من ذاتها وانسلاخها من أصل التكوين، فيكون الكائن الإنساني كما كان في أول تكوينه، وتكون الغريزة جوهر هذا التكوين، ويكون التردي قطر هذا الكائن.